الأحد، 20 أبريل، 2008

تأمُلات في ’ محبة الله و الجار معاً‘
رد ييل على كلمة سواء بيننا و بينكم

بقلم القس الدكتورمارك ديورى
فبراير 2008

يمكن الاتصال بالكاتب على العنوان الإلكترونى
mjdurie@gmail.com

قام اربعة من العلماء بتقديم رد على الرسالة المبعوثة من 138 من علماء المسلمين، و المعنونة كلمة سواء بيننا و بينكم . جاء الرد المسيحي بعنوان ’حب الله و الجار معاً‘، جاءت هذه الرسالة بتأيد من ما يذيد عن ثلاثة مئة من القادة المسيحيين من جميع انحاء الارض. كاتبوا الرسالة الأصليين هم ميروسلاف فولف و جوزيف كامينج كلاهما من مركز الإيمان والثقافة في جامعة ييل، و قد قام كلٍ من هارولد و. اتريدج من مدرسة اللاهوت بجامعة ييل و املى م. تاونذ و هى ايضا بروفيسور بجامعة ييل بإضافة بعض التلقيحات.

قدمنا تحليلا مفصلاً منفصلاً لرسالة كلمة سواء – راجع مذكرات للمسيحيين فى كلمة سواء- و نرجو احالة القراء الذين يرغبون فى الإطلاع على النقد التحليلى للرسالة التى بعث بها المسلمون لتلك المذكرات. نحن هنا بصدد التعليق بشكلٍ خاص على الرد المقدم من جامعة ييل.

الرد المقدم من ييل اخذ استراتيجية الترحاب الحار برسالة كلمة سواء، و تأييد ما عرضته [الرسالة الاسلامية] ’كأرض مشتركة‘ وايضا حضها على تشجيع القادة المسيحيون و القادة المسلمون على الاستمرار فى اللقاء للحوار على هذه الأُسس.

يبدو لنا ان رد ييل لم يقبل الموقف اللاهوتى المقدم من كلمة سواء بكامله، حيث انه جاء بتقديم بعض الانعكاسات اللاهوتية المسيحية الهامة التى ذهبت ابعد من ما قدمه لنا المسلمون.

  • الكتاب المقدس يُعرِّف الله على انه هو نفسه ’محبة‘ الشيئ الذى يعكس صلاح الله اللا نهائى، وهو يعنى انه لا يمكن فصل حب الله عن حب الله لنا. النظره المسيحية ترى اننا ’َنَحْنُ نُحِبُّ، لأَنَّ اللهَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً‘ (رسالة يوحنا الاولى 4: 19) بعكس ما قدمته لنا كلمة سواء من وجهة النظر الإسلامية فى ان الله يحبنا لاننا نحن نحبه.
  • اكد رد ييل ان حب الجار يتطلب اعتماد حق الآخر فى حرية العبادة. من المهم جداً ان تصل هذه الرسالة للقادة اللمسلمين، حيث ان حرية المسيحيين فى العبادة كثيرا ما تقلص فى سياق الهيمنة الإسلامية.
  • رد ييل جاء مخالفاً لما جائت به رسالة كلمة سواء، لقد حوى رد ييل محبة الجار التى تشمل حب الاعداء. الشيئ الذى لم يكن جزئاً مما قدمته كلمة سواء للمسيحيين.
  • رد ييل شرح محبة الاعداء على انها محاكاة لله. يأتى هذا الشرح مناقضاً للفكر الإسلامى الذى يرفض ان يحاكى الانسان الله، كما و انه فكر يتنافى مع الدعوات المتكررة لكلمة سواء لعدم الشرك بالله.

من المدهش ان هذه الاراء المعاكسة لم تُشرح على انها مناقضة للتعاليم الإسلامية. رد ييل اعطانا الانطباع بأن هذه التعاليم مشتركة و يمكن ان تؤخذ كأرضية مشتركة مع الإسلام.

على الرغم من ان كثير من القادة المسيحيين الموقريين قد قاموا بالتوقيع على رد ييل، الا انه من الممكن للمسيحيين الاستناد على اسباب وجيهة لرفض التوقيع على هذا الرد.

  • يظهر ان علماء الاهوت فى جامعة ييل قد قبلوا الزعم الاسلامى بان المسلمين و المسيحيين يعبدون نفس الاله، على الرغم من ان هذا الادعاء معقد و جدلى، ويستحق ان يكون من القضايا المطروحة للنقاش بين المسلمين و المسيحيين، بدلا عن قبوله ببساطة كاحد شروط الحوار.
  • احتوت كلمة سواء على تقنية ’الطعم و التبديل‘ حيث قُدِم حب الله وحب الجار للمسيحيين كارضية للتعاون، و من ثم جاء التبديل عندما قُدِمت عقيدة التوحيد الإسلامية على انها الأساس الحقيقى للحوار المسيحى الإسلامى. و يظهر لنا ان فى رد ييل تاييد للموقف الإسلامى حيث ذكر لنا الرد ان الرسالة (الاسلامية) ’تحدد بعض من الارضيات الجوهرية المشتركة‘ و تشير ايضا الى ’النظرة العميقة و الشجاعة التى تمكنوا بها ان يحددوا الأرضية المشتركة بين المجتمعات الاسلامية و المسيحية‘. هكذا يظهر لنا ان رد ييل يقبل العرض الواضح جدا المقدم من كلمة سواء لقبول التوحيد الإسلامى بما يحتويه من رفض للشرك كأرضية مشتركة نشاركها معاً. انه من غير المفيد ان يُعطى الانطباع بان المسيحيين يودون تأييد عقيدة التوحيد.
  • وبعد قبول العرض المقدم بعقيدة التوحيد يتحول رد ييل بالرجوع للفهم المسيحى لحب الله. هذه المراوغة المسيحية التى قُدمت كرد على المراوغة الإسلامية مشوشة للتفكير.
  • قام لاهوتيون جامعة ييل بعملية تضليل للقارئ عندما قالوا ’ ان ما يثلج صدورنا ان الله الذى ينبغى ان نحبه فوق جميع الاشياء يوصف بكونه محبة‘. الكثير من القادة الذين وقعوا تأيداً لرد ييل اعتقدوا ان هذا القول هو اشارة للموقف الذى اتخذه المسلمون. فى الوقت الذى لم تؤكد فيه كلمة سواء فى اى موضع ان الله محبة.
  • رد ييل تجنب التعرض للجدل الموجه ضد المسيحيين المرتبط بكثير من الآيات القرآنية المستشهد بها فى كلمة سواء ( أنظر مذكرات للمسيحيين ). بدلا عن هذا كان من المفروض ان يقوم رد ييل بالاعتراف بأن بعض من الآيات القرآنية المستشهد بها فى كلمة سواء هى آيات اشكالية لوئام الاديان.
  • من الخطأ ان يدعو رد ييل محمد ’النبى محمد‘ الا اذا رغب حقاَ لاهوتيون جامعة ييل فى يوصلوا للمسلمين ان هذا هو ايمانهم الحقيقى عن محمد.
  • مما يثير القلق ان رد ييل يظهر وكأنه يؤيد ’الايمان الابراهيمى‘. المصطلح ’دين ابراهيم‘ هو مصطلح قرآنى و معناه العقائدى هو ان ابراهيم و كل الانبياء كانوا حنفاء مسلمون وليس يهوداً او مسيحيين. و بالرغم من استخدام هذا المصطلح فى الكثير من حوار الاديان التى جرت حديثاَ الا ان هذا المصطلح معارض للمسيحية و هو غير ملائم للوئام او التعاون مع المسيحية.

وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ( سورة لبقرة 2 : 135)

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (سورة آل عمران 3:67)

  • تبنى رد ييل نغمة الامتنان و الاذلال الذاتى. هذا شيئ مثير للقلق فى ضوء تاريخ العلاقات المسيحية الإسلامية. بحسب الفهم الإسلامى الكلاسيكى لدور المسيحيين فى الدولة الإسلامية، الذميين يجب عليهم ان يُظهروا الامتنان [للمسلمين] لانهم ابقوهم على الحياة و لم يقتلوهم، وعليهم ان يظهروا التواضع لان وضعهم يستحق الاحتقار. ما كتبه كثير من فقهاء المسلمين و مفسرى القرآن يشهد على ان هذا هو الشيئ المتوقع [من الميسحيين]. فى ضوء ما تقدم، انه لمن المؤسف ان لاهوتيين ييل قد اظهروا انفسهم على استعداد لاعتماد نغمة الامتنان و الاذلال الذاتى باستعمالهم لمصطلحات مثل ’نلتمس الغفران من الرحيم و من الجاليات الإسلامية فى جميع انحاء الارض‘ و عندما قالوا عن كلمة سواء انها ’فوق العادية‘ و انها مكتوبة ’بكرمٍِ‘ و ’ اننا نستلم رسالتكم الكريمة و كلنا تواضع و امل‘. لم يقدم المسلمون فى رسالتهم اى شيئ من هذا القبيل. بالنسبة لكثير من المسيحيين الذين يعيشون تحت الحكم
    الاسلامى هذا النغم المُساق فى رد ييل سيسمع على انه معاهدة استسلام مع المسلمين وسوف ياخذونها كاشارة للتخليهم عن قضية اضطهاد اخوتهم فى المسيح
  • استشهد علماء ييل بمثَّل اخراج الخشبة من العين (انجيل متى 7: 5). وهذا امر مؤسف لاسباب عديدة.

    • هذا المثل يرسل اشارة للمسلمين بانه مهما كانت مشكلات الاسلام و مهما كانت خطايا المسلمون فانها ليست الا ’قذى‘ بالمقارنة مع جرائم المسيحيين الجماعية.
    • فى هذا الرد خيانة للمسيحيين الذين يعيشون تحت الهيمنة الاسلامية و يعانون، ليس لخطأ ارتكبوه، ولكنهم يعانون آثار احكام الشريعة.
    • انه من غير المفيد وايضا من المثير للشوشرة ان يقدم لاهوتيين امركيين اعتذاراً عن الحملات الصليبية، فى الوقت الحاضر تعتبر هذه الحملات حدثاً فى الماضى القديم، وايضا هى احداث وقعت قبل ان يكون للولايات المتحدة الامريكية وجوداً. الآثارالمنطقية التى ستترتب على هذا المنطق انه سيحمِّل جميع المسيحيين فى جميع انحاء الارض نوع من الذنب الجماعى لقتال المسلمين فى الماضى. تجريم المسيحيين يهذه الصورة يضعهم فى موقف الضعف حيث انهم يعانون من الاتهام بارتكاب ذنب جماعى.
    • من الخطأ ان نتعامل مع ’الحرب على الارهاب‘ على انها حملة مسيحية، و نقدم اعتذارعنها فى هذا السياق. الحكومات التى قامت ’بالحرب على الارهاب‘ لم تدّعى انها قامت بحرب مسيحية، و هى حكومات علمانية وليست مسيحية الطابع.
    • لم تظهر كلمة سواء انها على دراية ولم تقدم اى اعتذارعن جرائم المسلمين الماضية و الحاضرة ضد غير المسلمين. ذهاب المسيحيون لتجريم انفسهم بهذه الطريقة يقوض احتمالات المعاملة بالمثل فى الحوار الجاد.
  • النقاش المطروح قى معاملة محمد فى الطائف يبدو و كأنه قد وضع قسرا،ً و هونقاش غير مقنع.

    • الحديث المستشهد به و الذى يبدأ بالقول ’افضل الفضائل ان تصل من قطعك ....‘ (ليس هناك ذكر للمرجع الذى اخذ منه هذا الحديث: فى حقيقة الامر هو مأخوذ عن الطبرانى) و هو حديث غير مدون فى كتب الاحاديث الستة المعترف بهم من اهل السنة و لا يمكن ان يكون لمثل هذا الحديث اى ثقل
    • حقيقة اصل هذا الحديث قد اضعفت المعنى المقصود من الاستشهاد به. ان اهل الطائف الذين رفضوا محمد و رسالته حقاً، قد ارغموا فى مرحلة لاحقة على اعتناق الإاسلام تحت تهديد سيف اتباع محمد. (انظر مذكرات للمسيحيين) 1
    • العبد النصرانى عدّاس لم يخرجبصفته نصرانياً لاستقبال محمد، و لكن لأنه اُمر من سيده الوثنى ان يفعل ما فعل، انه شيئ مضلل ان يُستشهد بلطف هذا العبد كأشارة للصداقة المسيحية الإسلامية. وثم ان التقليد الاسلامى يعتبر ان عدّاس هو أول الدخلين الى الإسلام من اهل الطائف، فمن الصعب ان يكون عدّاساً مثلاً لوفاق الحوار و التعاون بين الاديان.
  • من المثير للقلق انه فى مواجهة بيانات التوحيد الإسلامى المتكررة و الواضحة فى رسالة كلمة سواء لم يقوم رد ييل بتأكيد ببيان الإيمان المسيحى فى التجسد و الوهية المسيح البنوية بنفس هذا الوضوح.
  • على الرغم من اننا انتقدنا رسالة المسلمين في المسلك الذى اتخذته فى الاستشهادات الانتقائية للآيات القرآنية الشيئ الذى اخفى عن القارئ المسيحى حقيقة الموقف المعادى للثالوث، فاننا نجد ان لاهوتيون ييل قد فعلوا نفس الشيئ عندما استشهدوا برسالة يوحنا الاولى 4: 8 ’الله محبة‘ ومن ثم حذفوا ما جاء بعدها مباشرة من آيات.

وَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ مَحَبَّتَهُ لَنَا إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الأَوْحَدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لاَ مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا. ... وَنَحْنُ أَنْفُسُنَا نَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ ُخَلِّصاً لِلْعَالَمِ، لأَنَّنَا رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا. مَنْ يَعْتَرِفْ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَثْبُتُ فِيهِ، وَهُوَ يَثْبُتُ فِي اللهِ.

من الضرورى جداً فى اى رد مقدم من المسيحيين ان لا يقلل من اهمية جوهر الإيمان المسيحى فى ارسالية الابن بما فى ذلك التجسد و الصلب. نعم، الإيمان المسيحى مؤسس على محبة الله ولكن فى شهادتنا للمسلمين يجب ان لانفصل بين مناقشة الحب و ايماننا بالثالوث.

مكن لحوار الاديان ان يكون ذو قيمة. و لكن يجب ان يؤسس على الإعتراف الصادق بالطرف الآخر. و ان يكون هناك استعداداً للاستماع بانتباه، وانفتاح و صدق فيما يعتقده المرئ، الشيئ الذى يمكن ان يقدم الارضية المشتركة الحقيقية للحوار الفعال. ليس من الحكمة وبل انه من قبيل التضليل ان يقوم علماء ييل بحماس بتأييد محاولات علماء المسلمون باسلمة الحوار المسيحى الاسلامى من احدى النواحى، ثم يحاولون ان يغلب الطابع المسيحى على الحوار من الناحية الاخرى ، وذلك باقتراحهم ان ان تكون مميزات المسيحية- مثل محبة الله للبشرية جمعاء- هى الارضية المشتركة بين ايمانينا.

نحن نناشد المسيحيين الذين يرغبون فى ايجاد علاقات ايجابية بين المسيحيين و المسلمين ان يتمعنوا فى التفكير ويتخذوا الحذر، و ان يبزلوا قدراً من الجهد فى فهم طبيعة هذا الحوار. تسببت ضعفات رد ييل الكثيرة فى المخاطرة بتقسيم المسيحيين و اثارة البلبلة. و بالوصول الى مثل هذا فان رد ييل لم يصنع خيراً لوئام حوار الاديان، و قد جعل من كلمة سواء مصدراًً للانقسامات و عدم الوئام بين المسيحيين.

هوامش

(1) السيرة النبوية لابن هشام ، تحقيق السقا و ابراهيم الابيارى وعبد الحفيظ شلبى، الجزء الرابع، صفحة رقم ،132 الطبعة الثالثة 2000م. نشر دار احياء التراث العربى.

ليست هناك تعليقات: